أكثر من شهرين هنا في أمريكا، وكأني بالأمس وصلت.
وما بين الدراسة والصغار، وتنظيم الحياة لا وقت متبقي، فالليل سكون والنهار جنون…
أتذكر وكأنه الأمس عندما هبطت الطائرة السعودية في مطار دالاس واشنطن.. تفاصيل تلك الرحلة..
مطار الملك خالد الدولي يضم الكثير من الشباب ذكورا وإناثا.. تعابير وجوههم توحي لك بما في نفوسهم.. هذا يبدو عليه القلق والأخر يبدو انه مبتهج.. وذاك يتحدث لصديقه بكل حماس عن ما يقابلهم هناك فهو الخبير بذلك..
في زحمة الوجوه تلك استوقفني مشهد ذلك الشاب الصغير يبدو انه لم يتجاوز العشرين من عمره.. هو داخل صالة المغادرة وعائلته في الطابق العلوي ومن خلف الزجاج يرسلون سلام الوداع.. كان يقف تحتهم مباشرة والده يلوح له ووالدته التصقت بالزجاج وكأنها تحاول اختراقه.. واخواته يسجلون كل لحظة بتصوير المشهد احداهن بالتقاط صور متفرقة والاخرى باظهار جميع المشاعر عبر الفيديو..
نعم كنت اراقبهم من بعيد صورة لن أنساها.. تدمعت عيناي.. شعور الأم.. وشعور الأب.. بساطة تلك العائلة كانت جلية واضحة.. أحببتهم لا أدري لماذا؟؟ لم يستوقفني سوى صوت شريكي: وش دعوة عاد؟؟
………………………………………………………………………….
رغم انني كنت احمل هما كبيرا لتلك الرحلة لكنها ولله الحمد كانت الأسهل.. أعلم يقينا أن دعواتهن كانت ترعاني تلك القلوب الأطهر الأنقى الأتقى.. أعلم أنني لا أستحق من ذلك شيئا.. ولكنها قلوبهن الطاهرة تحيطني..
………………………………………………………………………………..
كانت الرحلة الأطول في حياتي حتى الآن.. الخطوط السعودية جيدة.. أرى نفسي الآن مهيئة لانتقاد خطوط الطيران أعتقد أنني مررت بتجارب خطوط طيران كثيرة في الثلاث سنوات الأخيرة تؤهلني لاتخاذ قرارات سليمة في هذا الشأن.. سأفرد تدوينة في المستقبل المجهول لهذا الموضوع…
……………………………………………………………………………
مرت الرحلة بسلام وهدوء لنا جميعنا.. وقبل وصولنا إلى مطار واشنطن بساعة.. أعلن الكابتن أنه لأسباب أمنية يحظر التجول داخل الطائرة إلا للضرورة وبعد استئذان طاقم الطائرة.. وان أي أغطية على الجسم يجب ازالتها والمقاعد يجب أن تكون مرفوعة..
هنا بدأت أردد يارب يسر.. إذا دخلنا المطار وش يبي يصير؟؟
هبطت الطائرة بسلام.. ركبنا الباصات المتجهة إلى صالة القدوم وكان هناك مرشد باللغة العربية يعلمنا بما يجب علينا فعله وما لا يجب داخل صالة القدوم، ومنها يحظر استخدام الهاتف المحمول والكاميرا نهائيا حتى مغادرة البوابة، والأوراق المطلوب منا تجهيزها كل على حسب نوع الفيزا التي يحملها..
دخلنا قاعة المطار وأنا مشحونة بكل ما تحمله لنا وسائل الإعلام الصوتية والمرئية والمقروئة.. وأردد اللهم سلم سلم..
كنت بعد ان خرجت من الطائرة قد ركبت عربية تدفعني بها احدى الامريكيات السمر.. وهذا ما سهل لنا طريق الخروج من صالة الوصول حيث أننا لم نقف بتلك الطوابير الطويلة لانتظار مطابقة أوراقنا بل كانت لنا الأولوية في ذلك وزيادة أيضا معنا أطفال فهذا يشفع لنا أن لا نقف طويلا.. أو بالأصح أن لا نقف نهائيا..
طابقوا الأوراق سريعا وختموا الجوازات بكل سهولة وانتهت اجراءاتنا بيسر ولله الحمد ولم يحدث شيئا اطلاقا..
ومن عند بوابة الخروج من الصالة يقابلك شاب بملامح عربية يحمل لوحة كتب عليها الملحقية السعودية.. وبما أن عمي قد كان في انتظارنا -جزاه ربي الجنة- فلم نقابل ذلك الشاب لكني علمت من عمي انه لاستقبال الطلبة السعوديين..
………………………………………………………………………………………
الملحقية السعودية الثقافية بين بريطانيا وأمريكا.. لماذا بين بريطانيا وأمريكا؟
تجربتي محصورة في هذين البلدين، وأعتقد أن هذين البلدين يضمان أكبر عدد من الطلبة المبتعثين، وبينهما غالبا يدور الاختيار..
ولماذا الملحقية الثقافية؟ لأنها الجهة المسؤلة عن الطلبة المبتعثين في جميع شئونهم..
في بداية العام الماضي كانت تجربتي في بريطانيا..
نصل إلى مطار لندن نحن الطلاب سواء عوائل أو شباب، بعضنا لأول مرة يخرج من (ديرته)، والبعض لا يفقه في الإنجليزية شيئا، نبحث عن ظل عربي لو واجهنا أدنى استفسار، وما إن نخرج من المطار يواجهنا ألف سؤال، ابتداء بكيف سأصل للملحقية؟ ولا نهاية بعد ذلك لها..
وإن دبرت أمورك وتسهل طريقك فأنت محظوظ بوصولك للملحقية وتلقي ابتسامة من أحدهم..
والملحقية؟؟ وما أدراك ماهي؟؟
نحلم جميعنا بأنها هي السند الذي يعيننا على تخطي صعوبة الحياة الجديدة، وهي العون لنا متى ما واجهتنا مشاكل، ولكن نصدم بواقع يقول: تخبط واضح يستصعب عليك تدبير أمورك، ليس ها فقط ولكن حقوقا ضائعة تطالب بها ليضيع وقتك الثمين وجهدك المطالب به أنت للدراسة، فبدلا من أن تصبح الملحقية عونا لك أصبحت عبئا عليك، المادة هي عصب الحياة فإذا شبعنا تزودنا بطاقة تعيننا على الدراسة، فلا تحزن إن سمعت أحد الموظفين يقول لك: خل همك أكبر من الفلوس أنت جاي تدرس، وكأنه سيتصدق عليك لتذهب (للملاهي)..
المكافأت الناقصة والمتأخرة، الفواتير المستحقة، أوامر الإركاب السنوية للطلبة، حقوق تضيع في طول المطالبات، كانت الشكوى على المشرفين، فأصبح الحال أفضل، ولكن الشكوى الآن تعدت الجميع، فرائحة الملحقية ببريطانيا تزكم الأنوف..
سلامي للملحق الثقافي هناك…
وفي رأس هذه السنة تجربتي هنا في واشنطن أمريكا..
وصلت رحلتنا إلى واشنطن مليئة بالطلبة، وبعد أن خرجنا إلى بوابات الخروج كان هناك مجموعة من موظفين الملحقية يحملون لافتات عليها الملحقية الثقافية اسعودية بأمريكا يستقبلون الطلبة الجدد ويرشدونهم إلى حافلات تأخذهم إلى فنادق مقترحة، بعد وصولنا إلى الفندق اجتمع موظف من الملحقية بالطلبة جميعهم إلى وقت متأخر يرتب معهم أوراقهم ويرشدهم إلى مايحتاجون ومالا يحتاجون غدا في الملحقية، وحدد الساعة الثامنة والنصف صباحا موعدا لانطلاق الحافلات إلى الملحقية.
أهم القوانين التي تلزمهم معرفتها، وشرح للحكومة الإلكترونية الوسيلة الأمثل في التواصل بين الطالب والملحقية، والتأمين الصحي.. وغيرها
لم ينتهي دوام هذا اليوم إلا والطالب انهى جميع احتياجاته من الملحقية واستلم بطاقته التعريفية وبطاقة تأمين صحي مؤقته، ونسخ مصورة عن جميع المعلومات التي شرحت للطالب.
كانت أهم ملاحظة هنا أن سعادة الأستاذ محمد العيسى الملحق الثقافي يدور بنفسه بين الطلبة ويطلع على سير العمل.
تحية اجلال لرجل عرف معنى كونه مسؤلا…
………………………………………………………………………………………
أمضينا عشرة أيام في واشنطن كانت مع أحلى رفقة عمي عبد الرحمن مدير الأكادمية السعودية في واشنطن وزوجته وأطفاله..
بعدها ودعناهم.. إلى وجهتنا الدراسية تشيكو..
خرجنا صباحا إلى مطار واشنطن.. واخبرونا بأن الحقائب يجب أن لا تزيد عن 25 باوند فاضطررنا إلى زيادة عدد الحقائب.. انتهت المهمة وسلمنا حقائبنا بعد أن زاد عددها إلى الضعف..
وصلنا إلى نقطة الدخول إلى قاعة المغادرة نظر رجل الأمن إلى جوازاتنا.. وعرفت معنى تلك النظرة.. فبدأت أردد اللهم سلم سلم.. أخبر زميلته بأن جوازاتنا سعودية.. فقالت: اتبعوني من فضلكم..
اللهم سلم سلم.. اشارت أن خذوا هذا الصف.. كان الوضع اعتياديا حتى وصلنا إلى تفتيش لم يكن صعبا أو منفردا ولكن ليس الجميع يخضع له.. قال رجل الأمن: هذا وضع أمني، ويجب علينا تطبيقه، ولكن أرجو أن أطفالك لا يتخوفون من ذلك.. وللحق كان تعامله جدا راقي مع الأطفال و يلعب معهم وستأذنهم بتفتيش الشنطة الخاصة بهم.. ولم أتعرض أنا شخصيا لأي مس سوا أن جاءت امراة وطلبت مني خلع حذائي فقط.. وللامانة كان تعامل الجميع هادئا وراقيا.. ولم نستغرق سوا دقائق..
الرحلة من واشنطن إلى سان فرانسيسكو 6 ساعات متواصلة. وهذا ما يعادل رحلة الرياض لندن.. سارت الرحلة على ما يرام..
وبعد وصولنا إلى مطار سان فرانسيسكو كان علينا الانتظار أيضا لرحلة أخرى استغرقت ساعة إلى مطار تشيكو. في طائرة صغيرة لا تتسع إلا لـ15 راكبا وفيها مضيفتان فقط.. وصلنا إلى تشيكو…
…………………………………………………………………………………..
تشيكو مدينة زراعية صغيرة في ولاية كاليفورنيا.. وتحديدا شمالا.. تشتهر بجامعتها العريقة.. وهذا يجعلها مدينة دراسية.. بعيدة عن مجالات الترفيه.. هادئة وتعتبر مدينة آمنة نسبيا.. ليست متطورة جدا فلا ناطحات سحاب ولا عمائر.. فيها مركز تسوق واحد والكثير من المحلات المتفرقة.. بالنسة لي هي مدينة حالمة أحب جدا هذا الصنف من المدن، وبالنسبة لشريكي هي جميلة ولكنها مملة..
الطبيعة هي ملهمتي واجدها هنا في كل شيء وهذا يريحني.. فأنا أحب التأمل..
كانت هذه تدوينات سابقة من أرشيف جهازي الجوال لم أستطع كتابتها حتى هذه اللحظة التي استطعت ان اسرقها هذا اليوم..
فإن بدت غير منطقية أو مجرد كلمات بلا معنى فهي لا تخرج عن كونها هذيان مغتربة تحمل اشواقا..
كان هذا الجزء الأول ولأني لا أريد الإطالة أكثر من هذا فغدا سأكتب الجزء الثاني…